"ثورة الشباب وتحولاتها الثقافية": أربع شرائح شبابية تتمايز فيما بينها

د. مصطفى حجازي

"ثورة الشباب وتحولاتها الثقافية"

أربع شرائح شبابية تتمايز فيما بينها


 

[ننشر أدناه جزءاً من التمهيد الذي وضعه د. مصطفى حجازي لبحثه في موضوع

الشباب والثورات العربية الراهنة. البحث كان نشر في مجلة "الآخر"، العدد الثاني، دارالساقي.

يمكن تحميل النص الكامل من الرابط التالي:www.mawared.org


 


 

ها قد دخلت المجتمعات العربية في عصر التحولات والتاريخ المتحرك، بعد طول جمود في التاريخ الآسن الذي فرض على الأمة بإسم الإستقرار والحفاظ على ثوابت الأصالة. وها قد دبت طاقات الحياة في الجماهير بعد أن ظن المفكرون أنها تعاني من علل بنيوية تفرض عليها الإستكانة والتبعية والإنقياد. وظن المستبدون أن الأمر قد طوب لأجهزتهم الأمنية وممارساتهم القمعية التي تخمد الأنفاس، كي يتأبد حكم الكراسي ويتم الإستحواذ على خيرات البلاد ومقدراتها، والتصرف بها بمثابة ملكية خاصة خالصة. إنها ثورة الشباب الذي إعتقد الدارسون أنه إما خامل عاجز، أو عابث لاه، أو أنه عبء زائد عن اللزوم في مخططات التنمية الموهومة. ثورة فاجأت الجميع بما أطلقته من حيوية، وما حركته من قدرات هائلة على القول والفعل، وقلب موازين اللعبة التي بدت وكأنها أبدية. تفاجأت سلطات الإستبداد في الداخل، كما تفاجأت مراكز قوى السياسات الدولية. وبدلاً من التاريخ الدائري الآسن المكرر لذاته، إنطلقت حركية الحياة وطاقاتها الوثابة كي تحدث تحولات بنيوية في نظم القوى الحاكمة لمجتمعاتنا. وليس الامر مجرد تحول سحري من حال الى حال، مما ينشط في مخيال المقهورين والمهدورين، كما انه ليس كناية عن ظهور البطل المنقذ، او عودة الغائب المخلص الذي يرفع الغمة عن الامة. بل هو انطلاق للطاقات الحية التي تعرضت للاخماد عقودا طويلة بدا الامر معها وكانها غير موجودة.

انه بداية مخاض قد يكون عسيرا، وهو بالتاكيد محاط بالمخاطر المتكاثرة داخليا وخارجيا لانطلاق عملية بناء ونماء، من خلال فرض الادارة وممارسة القدرة على المواجهة، وانتزاع حق الوجود، واخذ زمام المبادرة لاسترداد انسانية الانسان المغيبة.

اننا لسنا بصدد مجرد مطالب بالخبز والحرية، بل بصدد تحول نوعي في استعادة الكرامة والاعتبار وحق الوجود ومرجعية الجماهير في الحيز العام، تلك الجماهير التي فرضت كيانها في المجال العام (الساحات والميادين والشوارع) الذي كان محرماً عليها ومصادراً من قبل الإٍستبداد، وكأنه حيزها الحيوي وحدها هي وأجهزتها الأمنية القمعية. قواعد اللعبة بصدد التغيير ما بين موازين السلطة التي أنست طويلاً لهيمنتها، وطاقات الشعب الحية. فلا السلطة، مهما إستفحل بطشها وقمعها، ولا الشعب مهما عظمت تضحياته سيعودان إلى ميزان القوى السابق. قد يكون ذلك هو التحول الثقافي السياسي المجتمعي الأساس، مع العديد سواه من التحولات. سنركز في هذا المقال على هذه التحولات وتبيان مداها وأبعادها. ولكي نفعل لا بد من البدء ببعض الإعتبارات المنهجية، والتحديدات المفهومية: ما هو مقصود بالشباب وما هو تحديده وما هي شرائحه؟ ما هو المنهج البحثي الذي نعتقد بضرورة توسله لمعالجة التحولات الثقافية؟ وما هو المقصود أساساً بتحرك الطاقات الحية؟ وهو كله يمهد للخوض في هذه التحولات التي نقول بها، فيما يتجاوز مجرد التحرك السياسي والمطلبي. وأما إطار البحث ومجاله فهو كل التحركات الجارية في العديد من البلاد العربية، وخصوصاً ثورتا تونس ومصر.


 

الشباب، تحديده وخصائصه

يرد في قاموس محيط المحيط للمعلم بطرس البستاني ما يلي في مادة الشباب: شب النار أوقدها، وشب الشيء ارتفع ونما، وشب الغلام ويشب شباباً صار فتياً. أما في القواميس الأجنبية (إنجليزية، فرنسية) فليس هناك تسمية قائمة بذاتها للشباب، بل هناك مصطلح الحداثةYouth وهي الصفة التي تدل على الفترة ما بين المراهقة والنضج.

المعنى اللغوي للشباب هو إذاً البروز والنماء وتوقد الإمكانات والطاقات الحية، وبدايات الخروج إلى الدنيا. وأما ديموغرافياً فالشائع هو اعتبار السن ما بين خمس عشرة سنة وخمس وعشرين هي مرحلة الشباب؛ وهو التحديد المعتمد دولياً وعربياً. إلا أن هناك تباينات على هذا الصعيد ترجع إلى كون الشباب ظاهرة محدثة على صعيد الدراسة والبحث. من الطريف مثلاً أن علم نفس النمو لا يفرد مرحلة خاصة للشباب قائمة بذاتها، كما يفعل في تفصيل دراسة الطفولة ومراحلها، والمراهقة وتحولاتها وأزماتها، حيث يتم الإنتقال مباشرة إلى الحديث عن مرحلة الرشد. ذلك أنه حتى وقت قريب نسبياً كان يتم الدخول في سن الرشد في مرحلة مبكرة عموماً (العمل والزواج).

أما الآن فلقد أصبح الدخول في العضوية الإجتماعية الكاملة (العمل المهني المنتظم، الزواج والوالدية والمشاركة في الحياة العامة) يتأخر بإضطراد لدى شريحة كبيرة من الشباب، مع ما يترتب عليه من إمتداد فترة الإعالة وأزمات البقاء خارج سوق العمل.

تفاقم!

وهكذا تبرز قضية الشباب في عالمنا العربي بمثابة ظاهرة تسير بإتجاه التفاقم. إذ لم تعد مرحلة الشباب تقتصر على دراسة النضج العام (جسمياً، نفسياً، عقلياً، ومهنياً)، بل هي تطرح ذاتها على الصعيد الإجتماعي المهني الزواجي، أي منظور العضوية الإجتماعية مكتملة المقومات. وتبرز أزمة الشباب تحديداً في هذه الفترة المستجدة تاريخياً وإجتماعياً بسبب تزايد تبكير النضج العام من ناحية، وتزايد تأخير إكتساب العضوية الإجتماعية الكاملة من الناحية المقابلة، مع تزايد حدة وعي هؤلاء الشباب بواقعهم المأزمي نتيجة للنضج الأكثر تبكيراً، وولوج عالم العمل والعضوية الإجتماعية الكاملة الأكثر تأخيراً. ذلك ما يُعرَف مرحلة الشباب راهناً، ويجعلها تقفز إلى صدارة الإهتمام البحثي والتخطيط للسياسات الإجتماعية.

إننا بصدد حالة متزايدة من النضج المبكر على جميع الصعد، وخصوصاً على صعيد المعرفة والمعلومات والوعي بالواقع الذاتي في عصر العولمة. إننا بصدد جيل جديد يعرف أكثر من آبائه ومعلميه، ويكاد يشكل المرجعية لهم على صعيد تقنيات المعلومات وآفاقها اللامحدودة، والإتصال وطفراته التقنية، والإنفتاح على الدنيا المعولمة حيث يشكل جمهورها الأساسي إستهلاكاً وإستقطاباً. وهو ما دعانا إلى المناداة بضرورة إقامة علم خاص بالشباب قائم بذاته يدرس ظواهر الشباب المركبة والمعقدة التي لا يستطيع أي فرع معرفي بمفرده الإحاطة الكافية بخصائصها ومعطياتها. هناك حاجة إلى علم شباب قائم بذاته، على غرار علوم الطفولة والمراهقة والرشد، تتكامل فيه إسهامات العلوم النفسية والتربوية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية والمعلوماتية والإعلامية والأنتروبولوجية. وهو ما ينطبق تحديداً على ثورة الشباب التي نحن بصددها والتي تحتاج، كما سنرى، إلى تكامل منهجيات كل العلوم الإنسانية.

4 شرائح من الشباب

إلا أن البحث في ظاهرة الشباب (وثورتهم بالتالي) تحتاج إلى مزيد من التمايز المنهجي. فلقد درجت العادة على الحديث عن الشباب وكأنه كتلة واحدة متساوية الخصائص والمقومات والحضور، وإطلاق التعميمات والأحكام، في إيجابها كما في سلبها على هذه الشريحة العمرية. إلا أنه إذا كان هناك وحدة على المستوى العمري، فإن هناك بالمقابل تعدداً على صعيد الخصائص والشرط الوجودي والخبرات والمواقف. هناك أربع شرائح شبابية تتمايز فيما بينها: شباب النخبة، الشباب المحظي، الشباب المكافح لبناء حياة كريمة، وشباب الظل. وتنطبق هذه الشرائح على كلا الجنسين (ذكوراً وإناثاً) على حد سواء (حجازي 2008).

  1. شباب النخبة

أما شباب النخبة فيمثل تلك الشريحة المميزة التي حظيت بأفضل رعاية أسرية، وبأعلى مستويات التربية والتعليم والإختصاص المهني والإعداد للمستقبل. إنها تلك الشريحة التي حظيت بفرص بناء "هوية نجاح" ومفهوم إيجابي عن الذات والصحة النفسية، والتي تمثلت "ثقافة الإنجاز" التحصيلي، والتأهيلي المهني. تدخل سوق العمل عالي الإختصاص والمهارة في سن مبكر، وسرعان ما تصل إلى مستويات قيادية توفر لها إمكان بناء مكانة إجتماعية لائقة. إنها شريحة شباب ما فوق الأزمات بالمعنى الشائع، وهي الأكثر حظأً في خوض غمار العولمة والإستفادة من فرصها وأسواقها وإستهلاك تقنياتها. ولقد كان لها دور محرك هام في ثورة الشباب، من خلال الإعلام الإجتماعي، ويشترك في ذلك كلا الجنسين.

  1. الشباب المحظي

وفي المقابل هناك شريحة الشباب المحظي أبناء محدثي النعمة من اللذين كان لهم نصيب كبير من الإستئثار بثروات البلاد بوسائل عديدة ليس أقلها تقربهم من السلطان المستبد (مالك البلاد والعباد) وشراكتهم معه في مصادرة خيرات الأوطان. هذا الشباب المحظي، شباباً وشابات، يشكل الفئة التي تربت على التراخي في الضبط والمحاسبة وتدني الرعاية الأسرية في مقابل إغداق العطايا المادية بمثابة رشوة تمثل البديل لهذه الرعاية. لم تتعلم معنى الجهد ولا ترى من ضرورة للإعداد والتكوين، طالما أن ثروة الأسرة جاهزة. تعيش في الملذات الآنية والإستهلاك المفرط والفراغ الوجودي الذي تملأه بالإثارة على إختلافها، المشروعة منها كما غير المشروعة، في ظل حماية الأهل الذين يمارسون نفوذهم لدى السلطات حين يجنح هؤلاء الشباب في ممارسات يطالها القانون. لا شأن لهذه الشريحة لا بأزمات الشباب، ولا بقضايا الأوطان.

  1. الفئة الطامحة:

وأما الفئة الطامحة إلى الحياة الكريمة فهي التي تشكل كتلة ذات شأن، كما أنها موضع إهتمام الباحثين. إنها من أبناء الأسر المتوسطة التي تحظى برعاية والدية مقبولة، كما أنها تتابع تحصيلها في التعليم العام ما قبل الجامعي كما الجامعي. ونظراً لتواضع مستوى هذا التعليم في مختلف مراحله فإنها لا تحظى بالإعداد العلمي والمهني المتين الذي يمكنها من دخول سوق العمل بسهولة والتنافس فيه؛ ولذلك فهي تتعرض لبطالة الجامعيين. إنها تكد من أجل الإرتقاء الإجتماعي من خلال الدراسة ولكن تخيب آمالها حين تقع في البطالة؛ وهنا تظهر المأساة: وعي عال بما يجري في العالم حولها وقدرات محدودة على الإستهلاك وأخذ الحظ منه، وتأخر متزايد في الوصول إلى الأهلية الإجتماعية. هنا تبرز أزمات الشباب الذائعة في الإعلام والأبحاث. ورغم تمسكها بالإنتماء الوطيد إلى الوطن، فإنها تهمش عن مواقع المشاركة في الشغل على قضاياه وإيجاد الحلول لها. تشكل هذه الشريحة قوة فاعلة في ثورة الشباب الباحثة عن إنتزاع الحق في حياة كريمة، وتعيش درجة عالية من الإحتقان الوجودي الذي يتفجر حين تتحرك طاقات الحياة في الثورة الشبابية والجماهرية، يستوي في ذلك الشبان والشابات.

  1. شباب الظل:

وأما شريحة شباب الظل فهي تتكون من أولئك المقهورين والمهدورين من الشرائح الشعبية الأكثر فقراً والأقل حظوظاً. إنها محرومة من التمدرس والتدريب المهني المؤهل للأعمال الحرفية المجزية. تعيش في حالة هامشية ما بين أعمال غير متمهنة وحالات من البطالة. تخرج من إهتمام الباحثين والدارسين لصعوبة الوصول إليها، بحيث تظل تلك الكتلة المهملة والمهمشة. إنها شريحة شباب الظل الذي يشكل وقود العنف في الإنتفاضات الشعبية. قسم منها لا يعيش مرحلة شباب إذا فرض عليه دخول عالم العمل في سن الطفولة المتأخرة للمساعدة في إعالة الأسرة. قسم آخر يشكل كتلة الناشئة غير المتكيفة إجتماعياً. إنها شريحة المجهول الأكبر الفائض عن اللزوم والذي يشكل الشباب العبء الذي تضيق به السلطات ذرعاً، وتقابله بالقمع والعنف.

تشكل هاتان الفئتان (الثالثة والرابعة) كتلة جمهور الشباب الذي يندفع مخاطراً بأمنه ومضحياً حتى بحياته في حالة ثورة الشباب وتحرك الجماهير.

تلك هي شرائح الشباب والشابات التي تتنوع شروطها الوجودية، وبالتالي يتطلب كل منها سياسات تدخل تلبي إحتياجاتها، كما أن مشاركتها في ثورة الشباب تتنوع بدورها. إلا أنها جميعاً تتطلع إلى إنتزاع الإعتراف بإنسانيتها، بعد تزايد إنغلاق سلطات الإستبداد على ذاتها ومحيطها الضيق، وبعد أن سجنت ذاتها في قصور مكونة من قاعات المرايا التي لا تعكس لها سوى مصالحها وتأزيل سلطانها، في حالة من تضخيم مفرط لنرجسيتها؛ بما يعميها عن رؤية الواقع الفعلي، ناهيك عن الإعتراف بالناس شيبة وشباناً.

النشرة: 

المواضيع: 

علِّق

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd> <p>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Empty paragraph killer - multiple returns will not break the site's style.
  • The Lexicon module will automatically mark terms that have been defined in the lexicon vocabulary with links to their descriptions. If there are certain phrases or sections of text that should be excluded from lexicon marking and linking, use the special markup, [no-lexicon] ... [/no-lexicon]. Additionally, these HTML elements will not be scanned: a, abbr, acronym, code, pre.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • The Lexicon module will automatically mark terms that have been defined in the lexicon vocabulary with links to their descriptions. If there are certain phrases or sections of text that should be excluded from lexicon marking and linking, use the special markup, [no-lexicon] ... [/no-lexicon]. Additionally, these HTML elements will not be scanned: a, abbr, acronym, code, pre.